الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
274
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
الروحية التي تعينه في مهمة الإرشاد ، والآية الكريمة تشير إلى ذلك ، فالمرشد المأذون ليس داعياً إلى الله فقط ، وإنما هو في نفسه سراجاً منيراً ، أي : ممداً لمن يرشده بالهمة والقوة الروحية التي تنور لبصيرته الطريق وتدفعه للسير فيه وتعينه على الاستمرار فيه والثبات عليه . . وكان هذا المرشد هو حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم . وبهذه القوة الروحية استطاع حضرته صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحول قلوب رجال كانت أقسى من الصخر الصوان إلى أرق من الحرير الناعم . . إن مرتبة الإرشاد العظمى هي مرتبة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في كل زمن ، وهذه المرتبة قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ « 1 » ، فكان حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم هو المرشد الأعظم للناس في زمن ظهوره ، وكان يرشدهم بما يناسب كلٌ منهم بالحكمة والموعظة الحسنة . . ولكن ما هي الحكمة ؟ إنها القوة الروحية التي نزلت مع حضرته صلى الله تعالى عليه وسلم والتي تمثلت بالمعجزات المحمدية والإفاضات النورانية التي كانت تطهر القلب وتزكي النفس فتنقل الإنسان من عالم إلى عالم في أقل من طرف العين . . ولقد امتلأ التأريخ الإسلامي بأخبار الذين أخذوا طريق الحق وآمنوا بالله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد رؤية أحد الخوارق الكثيرة بين يديه الكريمتين صلى الله تعالى عليه وسلم . كما وحفل بأخبار الذين تطهرت دواخلهم وصفت قلوبهم وزكت نفوسهم على أثر لمسة من حضرته صلى الله تعالى عليه وسلم أو نظرة أو مكاشفة على ما في السر أو دعوة أو غيرها من خواصه الروحية صلى الله تعالى عليه وسلم . لقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم مرشداً روحياً وليس مبلغاً بلسانه فقط ، وإلى هذا أشار القرآن الكريم في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « 2 » .
--> ( 1 ) - النحل : 125 ( 2 ) - الجمعة : 2 .